في كرة القدم لا تكون الهزائم دائمًا نهاية الطريق، وأحيانًا تتحول الضربات المؤلمة إلى فرص نادرة لإعادة البناء، هذا تمامًا ما يعيشه ريال مدريد اليوم، بعد خروجه المبكر من كأس ملك إسبانيا، في مشهد يبدو للوهلة الأولى كارثيًا، لكنه قد يحمل في طياته طوق نجاة غير متوقع.
ريال مدريد فقد لقب السوبر أمام برشلونة، وودع الكأس على يد ألباسيتي من دور الـ16، وواصل عروضه الباهتة بفوز شاحب على ليفانتي في الليجا، نتائج عكست أزمة واضحة لكنها في الوقت ذاته أزاحت عبئًا ثقيلًا من جدول الفريق، وفتحت الباب لعودة رجل يعرف جيدًا كيف تُدار المراحل الحاسمة: أنطونيو بينتوس.
بين الإقصاء والإنقاذ.. لحظة عودة «الشيطان»
بعد الرحيل المفاجئ لتشابي ألونسو، وتولي ألفارو أربيلوا المسؤولية مؤقتًا، عاد اسم أنطونيو بينتوس إلى الواجهة بقوة. الرجل الذي غاب تأثيره خلال فترة ألونسو القصيرة، وجد نفسه مجددًا في قلب المشروع، ليس كمجرد معد بدني، بل كـ”أمل أخير” لإعادة الحياة إلى جسد الفريق المنهك،
فلورنتينو بيريز كان الأكثر إصرارًا على استعادة نفوذ الإيطالي، في ظل القلق المتزايد من الحالة البدنية للاعبين، وسلسلة الإصابات التي ضربت أسماء مؤثرة، أبرزها كيليان مبابي، إلى جانب ترينت ألكسندر أرنولد، داني كارفاخال، وإيدير ميليتاو.
مبابي تحديدًا بدا كأكثر المتضررين، بعد معاناته من إصابة في الركبة، وتحامله المستمر على نفسه لإنقاذ فريق يفتقد الجاهزية البدنية في لحظات مصيرية.
لماذا يُلقب بينتوس بـ«الشيطان»؟
داخل أروقة ريال مدريد، لا يُذكر اسم أنطونيو بينتوس إلا ويُقرن بلقب واحد: «الشيطان». لقب لم يأتِ من فراغ، بل من فلسفة تدريبية قاسية، لا تعرف الحلول الوسط، تدريبات بأقنعة ضخمة، جري طويل تحت ضغط بدني غير معتاد، وتمارين تُختبر فيها قدرة اللاعبين على التحمل قبل المهارة. فلسفة تعتمد على صناعة الوحوش البدنية، لا مجرد لاعبين جاهزين للمباراة التالية، بينتوس نفسه اعترف سابقًا، قائلًا في تصريح عام 2023:”قال لي أحد اللاعبين يومًا: أنت شيطان”، في إشارة مباشرة لقسوة البرنامج الذي يفرضه.
سجله المهني يبرر هذه السمعة؛ خمسة ألقاب لدوري أبطال أوروبا، مع يوفنتوس، موناكو، وثلاث مرات مع ريال مدريد، منذ وصوله إلى النادي الملكي عام 2016 بطلب مباشر من زين الدين زيدان، فرناندو مورينتس، مهاجم ريال وموناكو السابق، لخّص شخصية الرجل بقوله:
“هو ودود خارج الملعب، لكنه صارم بلا رحمة في العمل. خلال ثلاثة أسابيع فقط، فقدت 4 كيلوجرامات دون أن أفقد حماسي، شعرت أنني أُولد من جديد”، حتى بينتوس نفسه لا يطلب من اللاعبين ما لا يفعله، إذ أشارت صحيفة «ماركا» إلى أنه يقطع مسافات تصل إلى 20 كيلومترًا جريًا، ويرفع الأثقال يوميًا كأي لاعب في الفريق.
الإعداد للمستقبل لا للحاضر
قيمة بينتوس الحقيقية لا تظهر فورًا، بل تُقاس بالنتائج في شهري مارس وأبريل. الرجل متخصص في ما يُعرف بـ”فترات الإعداد المصغّرة”، حيث يعيد شحن الفريق بدنيًا في توقيت مثالي، ليصل إلى قمة الجاهزية عندما تتساقط المنافسين.
ريال مدريد دخل الموسم دون إعداد مثالي، بسبب المشاركة في كأس العالم للأندية بنسختها الموسعة في الولايات المتحدة، وهو ما حرم الجهاز الفني السابق من بناء قاعدة بدنية صلبة، الآن ومع ضغط المباريات الأقل محليًا بعد الخروج من الكأس، أصبحت الظروف مثالية لتطبيق «وصفة بينتوس» الكاملة، ولم يكن غريبًا أن تبرز قناة ريال مدريد الرسمية اسم الإيطالي بقوة بعد رحيل ألونسو، وأن تُظهره الكاميرات كالشخصية الأكثر حضورًا في أول مران لأربيلوا، في رسالة غير مباشرة: المنقذ قد عاد.
العقبة الأوروبية.. الامتحان الحقيقي
رغم كل هذه المعطيات الإيجابية، تبقى هناك عقبة واحدة قد تُفسد الخطة بالكامل: دوري أبطال أوروبا، صحيفة «ماركا» أوضحت أن ريال مدريد، بعد خروجه من كأس الملك، تفادى بالفعل ضغط مباريات منتصف الأسبوع محليًا، لكن استمرار هذا الامتياز مرهون بالتأهل المباشر إلى دور الـ16 من دوري الأبطال، دون المرور عبر الملحق، مباريات الملحق ستُقام في 17 و18 فبراير ذهابًا، و24 و25 فبراير إيابًا، وأي مشاركة فيها تعني تدمير الجدول المثالي الذي يعوّل عليه بينتوس لإعادة الفريق إلى القمة.
حاليًا، يحتل ريال مدريد المركز السابع في ترتيب مرحلة الدوري بدوري الأبطال برصيد 12 نقطة، قبل جولتين حاسمتين أمام موناكو وبنفيكا.
حسابات معقدة وطريق محفوف بالمخاطر
الترتيب يظل مشتعلاً، والمنافسة على المراكز الثمانية الأولى لا تحتمل أي تعثر. التأهل المباشر سيمنح ريال مدريد أسابيع ذهبية من التحضير، حيث سيخوض مباريات الليجا دون ضغط أوروبي، بدءًا من مواجهة رايو فاييكانو، مرورًا بفالنسيا وريال سوسيداد وأوساسونا وخيتافي، هناك فقط هناك قد يظهر «تأثير بينتوس» الحقيقي… إذا سارت كرة دوري الأبطال في الاتجاه الصحيح، وإذا نجح أربيلوا في اجتياز الاختبار الأصعب، في مدريد، قد يتحول الخروج من الكأس إلى نعمة نادرة، لكن بشرط واحد:
أن يسمح القدر للشيطان بإكمال طقوسه.









