من أقسى ما قد يواجهه لاعب كرة قدم شاب أن يبدأ رحلته من القمة، لا قمة الموهبة فحسب، بل قمة التوقعات الجماهيرية أيضاً.
ففي برشلونة، يعيش لامين يامال ظاهرة استثنائية يمكن تسميتها بـ “عقوبة العبقرية”؛ حيث يُطالب الفتى، الذي لم يُكمل عامه الثامن عشر إلا منذ أشهر قليلة، بأن يكون المنقذ وصانع الفارق والحاسم في كل مباراة، وكأن الإبداع صار بنداً إلزامياً في عقده.
وعندما يتعثر الفريق جماعياً، لا تبحث الأضواء عن خلل تكتيكي أو قصور منظومي، بل تُسلط مباشرة على ملامح يامال، وكأن السؤال الدائم: لماذا لم يُنقذهم هذه المرة؟
عبقرية لا تُقاس بالنتائج
بعيداً عن عاطفة الفوز والهزيمة، وعند تفكيك أداء يامال بلغة الأرقام، نجد أنفسنا أمام إعجاز إحصائي يتكرر بانتظام.
في المواجهة الأخيرة أمام ريال سوسييداد، وبينما كان البعض يتحدث عن غياب الفاعلية، كان يامال يسجل أرقاماً غير مسبوقة في المراوغة والابتكار، وتشير تقارير منصات الإحصاء الكبرى، وعلى رأسها سوفاسكور، إلى أنه اللاعب الوحيد في الدوريات الخمسة الكبرى الذي تجاوز حاجز 10 مراوغات ناجحة في مباراة واحدة هذا الموسم.
هذا الرقم ليس استعراض مهارات، بل شهادة دامغة على قدرته على اختراق أعتى المنظومات الدفاعية بمفرده،
وعند توسيع زاوية الرؤية إلى تقييماته في المواقع المختصة، نجد أن متوسط تقييمه في تلك المباراة لامس 9.0 درجات، وهو رقم لا يبلغه إلا من يفرض بصمته على تفاصيل اللقاء كافة.
والأدهى أن يامال، حتى الآن سجّل 41 هدفاً وصنع 50 تمريرة حاسمة، أن يساهم لاعب مراهق في 91 هدفاً بمسيرة احترافية لا تزال في مهدها، هو معدل إنتاج أقرب إلى الخيال، لا سيما عند مقارنته بأقرانه من نفس الجيل، أو حتى عند وضعه إلى جوار ما قدمته الأساطير في العمر ذاته.
ضريبة اعتياد النعمة ومقصلة المقارنات
المعضلة الحقيقية التي تطارد يامال ليست في قدميه، بل في أعين المشاهدين الذين أصابهم اعتياد النعمة، عندما يراوغ ثلاثة لاعبين ويمرر كرة عبقرية كل أسبوع، يتحول السحر في عقل الجمهور إلى روتين، ويصبح غيابه أو تراجعه الطفيف جريمة لا تُغتفر.
هناك تحامل نفسي واضح يُمارَس ضده؛ ففي الوقت الذي يُمنح فيه غيره من المواهب الشابة سنوات للنضج، يُحاسب يامال بمعايير ليونيل ميسي في ذروة عطائه، لقد رفع سقف التوقعات إلى مستوى غير إنساني، حتى بات تقديم مباراة ممتازة يُصنف كأداء باهت.
الجمهور ينسى أن هذا اللاعب، رغم أرقامه المرعبة (41 هدفاً و50 صناعة)، لا يزال في مرحلة التكوين البدني والذهني والفني،
والمقارنة الرائجة بينه وبين رافينيا حالياً هي مقارنة ظالمة للطرفين؛ فرافينيا هو المحرك البدني والقيادي للمنظومة، بينما يامال هو الروح الابتكارية التي تصنع الفارق من العدم، ولا يمكن لواحد منهما أن ينجح بمعزل عن الآخر.
“التكامل المفقود”.. لماذا يُظلم يامال عند الهزيمة؟
الربط بين خسارة برشلونة في خمس مباريات غاب فيها رافينيا أساسياً وبين أداء يامال هو قراءة مبتسرة للمشهد، في لقاء سوسييداد الأخير، فعل يامال كل شيء: تسيد المراوغة في أوروبا بلا منازع، وقدم تمريرات وضعت زملاءه في مواقف مواجهة مباشرة مع المرمى.
العبء التكتيكي الذي يحمله يتمثل في سحب المدافعين وفتح المساحات، وإذا فشلت المنظومة في ترجمة تلك المساحات إلى أهداف، فلا يمكن إلقاء اللوم على الرسام لأن البناء لم يكتمل.
غياب رافينيا يسلب يامال الشريك الذي يشتت انتباه الدفاع، فيُحاصر دائماً بثلاثة لاعبين، ومع ذلك ينجح في الخروج بالكرة وبناء الهجمة.
ما يحققه يامال حالياً هو إعجاز تحت الضغط؛ فجميع المنافسين باتوا يضعون خططاً خاصة لإيقافه، ومع ذلك يظل يجد ثغرة للصناعة والتسجيل، وصولاً إلى رقم 50 صناعة تاريخي في هذا السن المبكر.
مربط الفرس
في المحصلة النهائية، يجب أن ندرك أن لامين يامال ليس مشكلة برشلونة التي تبحث عن حل، بل هو الحل الذي يحتاج إلى حماية، الأرقام التي حققها حتى الآن 41 هدفاً و50 صناعة ليست مجرد إحصاءات، بل شهادة ميلاد لأسطورة قادمة بسرعة الصاروخ، والتحامل عليه عند الخسارة هو ضريبة قاسية لكونه لاعباً سابقاً لعصره، واعتياد الجمهور على عبقريته هو أكبر ظلم قد يتعرض له موهوب.
يامال لا يحتاج لمن يطالبه بالتألق والإنتاج كل ليلة، بل يحتاج لمن يستوعب أن ما يقدمه الآن وهو في الثامنة عشرة من عمره هو منحة كروية لا تتكرر كل عقد… بل ربما كل جيل.









