أخر الأخبارالكرة الافريقية

“حين تصنع الأزقة أبطالًا”… ملاعب القُرْب تقود ثورة الكرة المغربية

قبل عقدين من الزمن، كان حلم الطفل المغربي بكرة القدم يتعثّر عند أول حجر في ملعب ترابي مهترئ، حيث الأرض القاسية والأحذية البالية وغياب أبسط شروط اللعب. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذريًا؛ إذ تحوّلت الأزقة الشعبية إلى مشاتل حقيقية للمواهب، بفضل انتشار أكثر من 2500 “ملعب قُرْب” عبر مختلف مدن المملكة، لتصبح هذه الفضاءات رافدًا أساسيًا للإنجازات القارية والعالمية لكرة القدم المغربية.

مشروع وطني برؤية استراتيجية

شهدت “ملاعب القُرْب” تطورًا لافتًا خلال العشرين سنة الأخيرة، ضمن رؤية حكومية شاملة تهدف إلى دمقرطة الممارسة الرياضية، وجعل كرة القدم في متناول جميع الفئات الاجتماعية.

وتندرج هذه الملاعب ضمن استراتيجية أوسع، تشكّل أكاديمية محمد السادس لكرة القدم إحدى ركائزها الأساسية، وهو ما أسهم في بروز جيل جديد من اللاعبين القادرين على المنافسة في أعلى المستويات.

وتتميّز هذه الملاعب بصغر مساحتها واعتمادها في الغالب على العشب الاصطناعي، مع إشراف رسمي من وزارة الشباب والرياضة، بينما تتولى جمعيات الأحياء تدبيرها اليومي.

وقد خُصص لهذا المشروع غلاف مالي سنوي يناهز 50 مليون دولار خلال سنة 2024، وفق معطيات رسمية.

من الهامش إلى الاحتراف

يستحضر إسماعيل باقشيش، حارس مرمى فريق سطاد المغربي، بداياته في الأحياء الشعبية بالرباط، حيث بدأ ممارسة كرة القدم في ظروف صعبة، قبل أن تشكل “ملاعب القُرْب” نقطة تحول حاسمة في مسيرته.

ويؤكد أن هذه الفضاءات لم تكن مجرد ملاعب، بل مدارس حقيقية تعلم فيها الصبر والانضباط والاستمرارية، وهي القيم التي مهّدت له طريق الاحتراف.

واليوم، يُعد باقشيش من أبرز حراس القسم الوطني الثاني، ويطمح إلى خوض تجربة في القسم الأول، واضعًا نصب عينيه تطوير مستواه واتخاذ قراراته المهنية بتأنٍ.

تجارب عابرة للحدود

من جانبه، اختار الإطار المغربي قاسم لون، بعد تجربة ناجحة في ألمانيا، أن يعيد استثمار خبرته داخل الوطن.

فأسس مشروعًا كرويًا بالرباط يعتمد منهجية تجمع بين الصرامة التنظيمية الألمانية والمهارة التقنية المغربية، مستهدفًا اكتشاف المواهب محليًا بدل تصدير البحث عنها إلى أوروبا.

ويركز المشروع على التكوين التربوي والتقني، مع توفير بيئة نفسية مستقرة للاعبين قرب أسرهم، وهو ما أثمر تحسنًا ملحوظًا في مستوى المشاركين خلال فترة وجيزة، وفتح أمامهم آفاق الاحتكاك بتجارب أوروبية رائدة.

نجوم خرجوا من الأزقة

أسهمت “ملاعب القُرْب” في تفريخ أسماء لامعة في سماء الكرة المغربية، من بينها لاعبون حملوا القميص الوطني، وآخرون تألقوا في المنافسات القارية، ما يعكس نجاح هذا النموذج في ربط القاعدة الشعبية بالقمة الاحترافية.

حلم وطني يتجدد

يرى متابعون أن الطفرة الكروية التي يعيشها المغرب ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة تراكمات طويلة من العمل القاعدي، حيث أسهمت هذه الملاعب في توسيع قاعدة الممارسة، وتعزيز روح الانتماء الوطني، وخلق علاقة وجدانية متجددة بين الشباب والمنتخب الوطني.

وهكذا، لم تعد “ملاعب القُرب” مجرد مساحات للعب، بل صارت رمزًا لرهان وطني ناجح، نقل كرة القدم المغربية من هوامش المدن إلى واجهة العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى